ساهم النمو السكاني والإزدهار الاقتصادي، واللذان ترافقا مع التطور التكنولوجي، في ارتفاع مطرد باستهلاك الطاقة، حيث شهد القرن الماضي زيادة غير مسبوقة على الطلب العالمي للطاقة، واستخدم الوقود الأحفوري لتلبية أكثر من 90% من احتياجات توليدها، ما دفع الدول للتوسع في نطاق استكشاف وإنتاج النفط الخام والغاز ليشمل الحقول البحرية الشاقة.
هذا الأمر استدعى ترسيما للحدود الدولية البحرية في المناطق الإقتصادية الخاصة، والتي وجد العالم فجأة أنه بات أمرا بالغ الأهمية، ما أدى إلى نشوء نزاعات وصراعات بين الدول حول تلك الحدود البحرية وكذلك المياه المتداخلة.
وفي هذا السياق، نجح التطور التكنولوجي بالصناعة في تمكين السفن من الوصول والتعامل مع هذا الجانب. ومن الأنواع الكثيرة للسفن التي تعمل في هذا المجال، سوف نركز من خلال هذا المقال على تلك التي كان لها دورا حيويا وبارزا في تغيير خارطة العالم من حيث استكشاف حقول النفط والغاز البحرية، وزيادة احتياطيات الدول، والمشاركة في جميع عمليات الإنتاج والتكرير والتخزين والتصدير.
سنتناول بشيء من الإيجاز بعض النقاط، أبرزها أربع هي:
-سفن الحفر (Drilling Ships)
-سفن الإنتاج والتخزين والتفريغ العائمة (FPSO)
-سفن الغاز الطبيعي المسال العائمة (FLNG)
-سفن وحدات تخزين وإعادة تحويل الغاز العائمة (FSRU)
سفن حفر الآبار Drilling Ships
تم حفر أول بئر نفطية في بحيرة للمياه العذبة عام 1859، وكان ذلك في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية، عن طريق وضع حفار أرضي على رصيف خشبي تم بناؤه لهذا الغرض.
وبعد مرور 80 عاما، تم ابتكار سفن الحفر لأول مرة من قبل المهندسين المعماريين في الولايات المتحدة الأمريكية، كما تم حفر أول بئر نفطية في البحر قرابة سواحل لويزيانا عام 1947، ثم وعلى مدى العقود المتعاقبة، أُدخلت على تلك السفن العديد من التعديلات الهائلة، في وقت ساهم التطور التكنولوجي تدريجيا بالحفر في المياه التي يبلغ عمقها 3000 متر، وانتشرت عمليات الحفر البحري في العديد من دول العالم، ومنها الولايات المتحدة الأمريكية، والنرويج، وروسيا، والمملكة العربية السعودية.
وتتباين الحفارات بحسب أعماق البحار التي تتواجد فيها الحقول البحرية، بداية من بارجات الحفر (Drilling Barge) التي تعمل في المياه الضحلة، مرورا بأبراج الحفر المرفوعة (Jack-Up Barge)، وأبراج الحفر شبه الغاطسة (Semi-Submersible)، وأبراج الحفر الغاطسة (Submersible)، وصولا الى سفن الحفر (Drilling Ship).
واشتهرت سفن الحفر في صناعة النفط والغاز من خلال استكشاف وحفر وصيانة الآبار في البحار العميقة وفائقة العمق، إلى جانب تركيب الهياكل والأنابيب وتغليفها تحت سطح البحر. وتتميز سفن الحفر عن باقي السفن بخاصيتين هما برج الحفر (Drilling Derrick) ومهبط (Helipad) الطائرات العمودية لاستقبال الإمدادات ونقل العاملين.
كما أنه ومن السمات الفريدة غير المنظورة والأساسية لإنجاح العمليات على السفينة، ما يُعرف بالـ (Moon Pool)، وهي عبارة عن فتحة ممتدة من السطح إلى أسفل الهيكل الرئيسي للسفينة، وتسمح بإنزال واسترجاع معدات الاستكشاف والحفر والصيانة من قاع البحر بسهولة دون الإكتراث لما قد يحدث من تغيرات في الطقس الخارجي.
وتعمل سفن الحفر عادة في المياه العميقة التي يتراوح عمقها من 600 إلى 3000 متر، ولأنها متصلة بمعدات حفر على بعد آلاف الأمتار تحت سطح البحر، يُعد نظام تثبيت الموقع على سفينة الحفر جزءا أساسيا لإنجاح عمليات حفر الآبار.
ففي الأعماق المتوسطة التي لا تزيد عن 400 متر، ترسو سفينة الحفر في قاع البحر بواسطة إلقاء عدد من المخاطيف تتراوح ما بين 6 إلى 12 مخطافا، وبمجرد أن يصبح مستوى المياه عميقا جدا، تستخدم السفينة أنظمة تحديد المواقع والتمركز الديناميكيDynamic Positioning (DP-2) ، والتي تضمن ثبات وتمركز السفينة في مكانها أثناء الحفر.
وتعتمد هذه الأنظمة على العديد من أجهزة الدفع الموجودة في الأجزاء الأمامية والخلفية والمتوسطة من السفينة، والتي يتم تفعيلها بواسطة جهاز كمبيوتر وأجهزة استشعار تراقب باستمرار حركة السفينة وسرعة واتجاه الرياح والأمواج والتيارات.
وعلى الرغم من تشابه منصات الحفر البحرية (Semi-Submersible Rigs) مع سفن الحفر من حيث العمل في المياه العميقة، إلا أن الأخيرة تتميز عنها بسرعة وقوة الدفع الذاتي الذي يمكنها من سهولة الحركة والتنقل من بئر إلى أخرى، ومن موقع إلى آخر، فضلا عن قدرتها على حمل ونقل جميع المعدات التي تستخدم في حفر وصيانة الآبار، علاوة على سعة التخزين الكبيرة والإكتفاء الذاتي.
ومن المعلوم أن متوسط تكلفة الحفارات البحرية يعادل 15 إلى 20 ضعفاً متوسط تكلفة الحفارات الأرضية، حيث تقدر تكلفة الحفر والتنقيب البحري عن النفط والغاز بنحو 650 مليون دولار إلى 1.2 مليار دولار أمريكي، وذلك حسب حجم ونوع الحفارة.
سفن الإنتاج والتخزين والتفريغ العائمة
بمجرد الإنتهاء من حفر البئر، تنتقل سفينة الحفر إلى موقع آخر، وتتولى مسؤولية رأس البئر سفن الإنتاج والتخزين والتفريغ العائمة (FPSO)، وهي هياكل ضخمة ومعقدة للغاية، وقد تزايد عددها بنسبة 33% على مدى السنوات العشر الأخيرة، إذ أحدثت تلك السفن طفرة في صناعة النفط والغاز، وتم استخدامها على نطاق واسع من قبل الصناعة البحرية، وأصبحت إحدى الطرق الأساسية لاستكشاف وإنتاج ومعالجة وتخزين النفط والغاز من حقول المياه الضحلة والعميقة وفائقة العمق. هذه السفن بمثابة منشأة بحرية متكاملة تم تصميمها للقيام بعدة عمليات على متنها، بداية من استلام المركبات الهيدروكربونية التي تنتجها بنفسها من الآبار تحت سطح البحر أو من المنصات القريبة منها. وتضم على متنها وحدات الإنتاج ومعدات فصل المياه ومعالجة الغاز ومعالجة النفط وحقن الماء وضغط الغاز وتخزين النفط الخام وتصديره عبر خطوط الأنابيب للساحل أو مباشرة إلى ناقلات النفط المتاحة، بينما يتم نقل الغاز إلى محطات توليد الطاقة عبر خط الأنابيب أو إعادة حقنه في الحقل لتعزيز الإنتاج. كما تحتوي على مساكن للطاقم الكبير نسبيا، ومهبط مجهز للطائرات العمودية لاستقبال الإمدادات ونقل العاملين.
وترسو سفن الإنتاج والتخزين والتفريغ العائمة (FPSO) في مكانها وتثنت بقاع البحر بواسطة أنظمة إرساء مماثلة لسفن الحفر، كاستخدام المخاطيف أو نظام التمركز الديناميكي (DP-2)، وذلك يعتمد على عمق المياه أسفل السفينة، في حين يسمح نظام الإرساء المركزي الموجود في مقدمة السفينة بدورانها بحرية تامة والإستجابة بشكل أفضل للظروف الجوية المتغيرة والتحول بتجاه الرياح والتيارات البحرية.
وبشكل عام، قدمت سفن الإنتاج والتخزين والتفريغ العائمة (FPSO) لشركات النفط والغاز الكثير من الحرية والتنوع فيما يتعلق بالإستكشاف والإنتاج، ومكنتها بشكل متزايد من العمل في المناطق النائية وبتكلفة أقل مقارنة بأساليب إنتاج وتخزين النفط والغاز التقليدية.
إلا أن أهم ما يميزها هو تقليل التكاليف الرأسمالية وتقليص عامل الوقت في المشاريع بدرجة كبيرة، وذلك من خلال تأجير العدد المطلوب من تلك السفن مباشرة بناء على احتياجات السوق، إلى جانب المرونة في تحويل ناقلة النفط العملاقة المتاحة (VLCC) إلى سفينة إنتاج وتخزين وتفريغ عائمة (FPSO)، حيث تستغرق مدة التحويل ما يقارب سنة وستة شهور، وتكون بذلك قد وفرت سفن الـ (FPSO) الحاجة لإنشاء هياكل دائمة مثل بناء منصات النفط العائمة ومراكز التجميع والموانئ والمباني ومد خطوط الأنابيب وغيرها.
كما تتمتع بالقدرة على العمل الذاتي المتكامل والإتصال بأي خط أنابيب والإنتقال من موقع إلى آخر وعدم التأثر في المياه العميقة. ومما جعلها خيارا آمنا للعمل في المناطق ذات الظروف الجوية القاسية، إمكانية الإنفصال السريع عن خطوط الأنابيب وآبار النفط التي ترسو وتنتج منها، والإنتقال إلى موقع أكثر استقرارا، علاوة على أنه يمكن لسفن (FPSO) تخزين كميات ضخمة من النفط، ما يزيد من الجدوى الإقتصادية للحقول، حيث تبلغ سعة تخزين أكبر سفينة (FPSO) وتدعى "إيجينا" (Egina) 2.3 مليون برميل. وتعتبر سفن (FPSO) كذلك خيارا مناسباً لحقول النفط والغاز التي تفتقر إلى الجدوى الاقتصادية، كالحقول الصغيرة والهامشية والبعيدة نسبياً، وذلك لعدم كفاءة تكلفة بناء وصيانة البنية التحتية.
ويوجد حالياً نحو 215 سفينة (FPSO) تعمل في العالم، حيث يتجاوز متوسط سعر السفينة الـ 800 مليون دولار أمريكي، وقد يزيد السعر على ذلك للسفن المتخصصة في الأعماق الكبيرة.
سفن الغاز الطبيعي المسال العائمة
يعتقد أن الغاز الطبيعي سيصبح أسرع مصادر الطاقة نموا في العقود المقبلة، باعتباره أنظف مصادر الطاقة المتوفرة وأقلها سعرا مقارنة بجميع أنواع الوقود الأحفوري الأخرى. ويوجد العديد من موارد الغاز الطبيعي في الحقول البحرية، لكن القيود الجغرافية والبيئية والتقنية والإقتصادية كانت تحد من الوصول والتطوير لعدد كبير منها، كما تصعّب هذه العملية.
ويتكون الغاز الطبيعي من خليط من المركبات الهيدروكربونية، كما أنه يحتوي على كميات كبيرة من غاز الميثان بنسبة تصل إلى 95%، إضافة إلى نسب قليلة من غاز الإيثان والبروبان والبيوتان، فضلا عن الماء وثاني أكسيد الكربون والنيتروجين والأكسجين وبعض مركبات الكبريت.
وقد صممت سفن الغاز الطبيعي المسال العائمة (FLNG) لتكون مصنعا ومنشأة بحرية عائمة تطفو فوق حقل الغاز الطبيعي الذي كان يتعذر الوصول إليه سابقا، لتنتج منه موارد الغاز ومن ثم تقوم بمعالجة وتنقية الشوائب من خلال عمليات التسييل لإزالة الغبار والغازات الحمضية والهيليوم والماء والهيدروكربونات وتبريد الغاز إلى - 162 درجة مئوية (- 260 درجة فهرنهايت)، الأمر الذي يؤدي إلى تقليص حجمه بمقدار 600 مرة مقارنة بحالته الغازية، ما يسهل تخزينه ونقله بأمان وبكميات كبيرة عبر مسافات طويلة إلى مختلف موانئ العالم، وبذلك تستطيع ناقلة الغاز الطبيعي المسال تلبية 5% من متوسط الطلب اليومي على الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يعادل تدفئة 43 ألف منزل لمدة عام.
وتتشابه سفن الغاز الطبيعي المسال العائمة (FLNG) مع سفن الإنتاج والتخزين والتفريغ العائمة (FPSO) من حيث الأداء الوظيفي والمزايا، حيث تعتبر سفن (FLNG) أكثر قابلية للتطبيق من الناحية الاقتصادية، ما يتيح فرصا تجارية جديدة لكل من الدول النامية والمناطق التي قد تجعل النزاعات فيها مد خطوط الأنابيب غير عملية، إلى جانب أنها أصبحت النمط المجدي والفعال لإنتاج الغاز في الأماكن التي كان يتعذر الوصول إليها سابقا بسبب البعد عن الساحل والأعماق والأحوال الجوية السيئة، فضلا عن تمتعها بالمرونة في تشغيل وإيقاف أنشطة المنشأة او تحريكها وإعادة نقلها من مكان إلى آخر بسهولة.
تصفح العدد 71 من مجلة ربان السفينة
يضاف إلى ذلك أنها توفر التكاليف الرأسمالية والتشغيلية، وذلك من خلال الإستغناء عن مد خطوط الأنابيب ووحدات الضغط وتجهيز مصنع لمعالجة الغاز وبناء الخزانات وإنشاء وتعميق الموانئ، بما يعزز من فرص المحافظة على البيئة البحرية والساحلية.
وتعد المناطق البحرية في أستراليا الأكثر طلبا على سفن (FLNG)، في حين يجري العمل على تنفيذ ما يصل إلى 40 مشروعا حول العالم، ومن المتوقع أن يتم تشغيل ما يصل إلى 22 سفينة بحلول عام 2022 في جميع أنحاء المحيطات والبحار قبالة سواحل كندا والصين وغرب أفريقيا والبرازيل والساحل الغربي لأمريكا وجزر جنوب آسيا.
سفن وحدات تخزين وإعادة تحويل الغاز العائمة
يمكننا أن نطلق على سفن وحدات تخزين وإعادة تحويل الغاز العائمة (FSRU) قطاع التكرير والتصدير للغاز الطبيعي، وتتشارك سفن الـ (FLNG) مع سفن الـ (FSRU) وناقلات الغاز (Carrier LNG) في صناعة الغاز الطبيعي المسال، وهي عبارة عن سفينة تخزين للغاز الطبيعي تحتوي على محطة إعادة تحويل الغاز الطبيعي المسال عند درجة حرارة - 162 درجة مئوية (− 260 درجة فهرنهايت) إلى درجة حرارة الغلاف الجوي، ومن ثم ضخه مباشرة إلى شبكة الغاز الرئيسية.
وتعد معظم سفن الـ (FSRU) الموجودة بالخدمة في الأساس ناقلات للغاز الطبيعي المسال (Carrier LNG)، وتعمل تلك السفن على استقبال الغاز الطبيعي المسال مباشرة وتخزينه في خزانات معزولة بسعة تصل إلى 180.000 متر مكعب، وإعادة تحويله إلى حالته الغازية، أو تحويله مرة أخرى إلى الحالة السائلة عند الحاجة. وهي قادرة على الإمداد بأكثر من 600 مليون قدم مكعبة من الغاز في اليوم، ما يوفر وصولا سريعا ومريحا لإمدادات الغاز.
وتتميز سفن وحدات تخزين وإعادة تحويل الغاز العائمة (FSRU) بانخفاض تكلفة رأس المال، حيث تبلغ تكلفة (FSRU) جديدة الصنع سعة 180.000 متر مكعب أقل بنسبة 50 إلى 60 بالمئة مقارنة بتكلفة بناء محطة على الساحل. كما أنها تساهم في اختصار الوقت، حيث يمكن تسليم (FSRU) في نصف الوقت الذي تستغرقه بناء المحطة الساحلية. ويمكن كذلك تقليص المدة عبر تحويل سفينة الغاز الطبيعي المسال (LNG) إلى وحدات تخزين وإعادة تحويل الغاز العائمة في زمن لا يتجاوز 5 إلى 7 أشهر، علاوة على المرونة، حيث يمكن استخدام سفن (FSRU) كمحطة إعادة تحويل غاز عائمة أو وحدة تخزين عائمة أو ناقلة غاز طبيعي مسال تقليدية.
وقد ساهمت مؤسسة البترول الكويتية (KPC) بإمداد محطات توليد الطاقة الكهربائية بالغاز الطبيعي لتحل مكان النفط الخام كوقود، وذلك عن طريق استئجار تقنية سفن (FSRU) في ميناء الأحمدي منذ عام 2009، الأمر الذي ساهم وبشكل كبير في زيادة الإيرادات من بيع النفط الخام وخفض التكاليف، وتوفير طاقة آمنة وموثوق بها وأكثر ملاءمة للبيئة.
وختاما، يتضح أن صناعة السفن ابتكرت حلولا راسخة وطويلة الأجل لتلبية الطلبات الأساسية والمتزايدة على الطاقة المستدامة، وحفاظا على الميزة التنافسية في صناعة النفط والغاز، استطاعت بعض شركات النفط والغاز الخليجية أن تنتج النفط والغاز من قبالة سواحل أفريقيا والبرازيل والمكسيك، ولعبت بذلك دورا حيويا في تلبية احتياجات الطاقة في العالم.
ولأننا في الوطن العربي نمتلك الخبرات والقدرات في صناعة النفط والغاز، فإن السؤال المشروع هو هل نحن على استعداد أن نتوسع في المشاريع الخارجية ونسخر إمكاناتنا ونزاحم الشركات في اكتشاف المحيطات وننتج من خارج نطاق حدودنا؟
كابتن لافي المرتجي، رئيس فريق عمل عمليات الميناء، مجموعة العمليات البحرية – شركة نفط الكويت KOC، رأي، العدد 72، مجلة ربان السفينة





